تشغيل الوضع الليلي
خواطر منتظِرة
منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 2040
بقلم: وفاء لدماء الشهداء
عندما يعتلي الأنين، ويفيض الشوق والحنين، أُمسكُ ورقتي؛ لأُسطر لك على خطوطها خواطري، وأناديك بكلماتي: اشتقت إليك يا سيدي، يا ملهمي وقائدي، فتقبل مني حروف يتيمة قد كواها ألم الفراق والغياب، وكل مناها أن تحظى برضاك يا أغلى من الأهل والأولاد والأحباب.
سيدي أيها الموعود متى سينتهي ليل الانتظار؟ ويتألق نور محياك يا بن الطيبين الأطهار؟
كم كبد حرى ضاقت شوقًا لفيض نداك؟ وكم محب غيّبه الثرى قبل أن يكحل عينه ببهاء مرآك؟ كم دمعة حارقة ذرفت لتترجم حرارة الفقد ولوعة الابتعاد وعظم اللهفة لرؤياك؟
سيدي، لقد تعالت أصوات الظلم فمتى تخرسها بإعلاء رايتك؟
مولاي، لقد تعملق الظلام، فمتى تأتي لتنير الكون بمقدمك؟
يا حجة الله، لقد استأسد الباطل فمتى تسحقه بضياء طلعتك؟
ترى متى ستنعم الأرض بربيعك؟ ومتى نعيش آمنين سعداء تحت ظل دولتك ورعايتك؟
متى وألف متى نطلقها من أعماق أرواحنا التواقة للعدل والسلام، العطشى لتطبيق تعاليم السماء والحياة تحت ظلال الإسلام.
مولاي أيها الأمل، ويتملّكنا في غمرة الشوق والإلحاح الخجل، من قول العجل؛ لأننا بحقك لا زلنا مقصرين، ولقلبك المثقل بالأحزان بسهام معاصينا وغفلتنا مسددين، ولكننا نعتمد على كرمك، ونغض الطرف عن سوء فعالنا اتكالًا على جميل عطائك، فننادي بأمل القلب الطامع بعطف سيده: عجّلْ فدتك نفسُ من أحبك.
سيدي، بين الصمت والأنين، طيف يومك الميمون يرفرف على قلوب المنتظرين، وحبك يجري مع الدماء في الشرايين، وذكرك يتربع على عرش اللسان فتزهر الروح التي أضناها الشوق ويخضرُّ في جنباتها الياسمين.
مولاي، على أرصفة الأمل يعتصرنا الألم فنناديك بلوعة المستغيثين، خذ بأيدينا، استنقذنا مما نحن فيه، أنر أبصارنا بضياء نظرها إليك، وظلل على قلوبنا بسحابة الطافك يا بن الأكرمين.
سيدي، مهما طال زمن المغيب، سنبقى ننتظر صبح ظهورك القريب، ونترقب بزوغ شمس محياك بلهفة الواله الحبيب.
سنبقى نُمنّي النفس بقرب الظهور، وتألق النور، وسنطوي مسافات الغياب المؤلم لنطرق بالبشرى كل الصدور، لنقول للجميع: إنه سيأتي ليضيء ظلام العصور.
سيأتي متوهجًا كالشمس ليعيد الحياة للقلوب...
سيأتي فتضاء بخطواته كل الدروب...
سيأتي ليعيد ملامح الفرح التي اغتالتها سني العذاب والجور...
سيأتي ليكفكف الدمع من العيون التي أَلِفَت الحزن والبكاء، ويبلسم بيد الأب الحاني جراح المؤمنين بعد طول غياب وعناء.
سيأتي كغيث رحمة يتوالى من سحبها الماء، يجود بالخير والعطاء، فتهتز لقطرات عطفه الأرض، فتعود بألطافه خضراء، وتغدو القلوب بأنوار محبته نقية بيضاء.
سيأتي كشمس يطارد سناها الظلام والمحن، بل كسفينة إنقاذ تشق أمواج الفتن؛ لتنير الزمن كل الزمن...
نعم سيأتي ابن المؤتمن، وسنكون معه ننادي: لبيك يا بن الحسن.
اخترنا لكم
غزوة بدر الكبرى، انتصار ومنهج حياة
بقلم: عبير المنظور معركة بدر الكبرى (أو الثانية) من المعارك المهمة في تاريخ الإسلام، لأنها أول معركة وقعت بين المسلمين ومشركي قريش، وذكرت المصادر التاريخية غزوتين أخريين باسم بدر وهي بدر الأولى وبدر الموعد أو الثالثة، ولكن الأكثر شهرة هي غزوة بدر الكبرى. وأتت شهرة هذه الغزوة من خلال انعكاسات نصر المسلمين الساحق على مشركي قريش وتأثيراته على الساحة الإسلامية والإقليمية -إن صح التعبير- في حينها، إضافة إلى الكثير من المفاهيم المهمة التي أسس لها الإسلام في تلك المعركة. وقعت هذه المعركة حسب أغلب المصادر التاريخية في صبيحة يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من عام ٢ هـ عند آبار بدر، (تقع بدر على بعد 153 كيلو مترًا جنوب غربي المدينة المنورة، كما وتقع في شمال مكة المكرمة وتبعد عنها 300 كيلو مترًا تقريبًا) (١) وهي من المعارك القصيرة في الإسلام حيث لم تتجاوز عدة ساعات. وردت غزوة بدر الكبرى في القران الكريم ووصفها بيوم الفرقان، وورد ذكرها في عدة سور وهي سورة ال عمران الآيات (١٢-١٣) وكذلك (١٢٣-١٢٧) ووردت أيضًا في سورة النساء الآيتان (٧٧-٧٨) وسورة الأنفال الآيات (١-١٩) و (٣٦-٥١) و (٦٧-٧١). أسس رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذه المعركة جملة من المفاهيم المهمة التي سنعمد إلى ذكر بعض منها: ١- استشارة الأنصار في مشاركتهم في الحرب ضد قريش (قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء. لعلّ الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله. فسر رسول الله (صلى الله عليه وآله سلم) بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال: "سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم" (٢) ٢- وفي التأمل في أسباب هذه المعركة وخصوصًا قضية القافلة التجارية يتجلى بوضوح أهمية المجال الاقتصادي في دعم بناء الدولة وتأسيس جيش قوي يحافظ على مكانة وهيبة الدولة بين الدول الأخرى خاصة إذا ما عرفنا أن المسلمين الأوائل كانوا في ذلك الوقت لا يمتلكون من الموارد الاقتصادية الشيء الكثير بعد تعذيب قريش لهم وطردهم من مكة، حتى ورد في أغلب المصادر التاريخية أن قوام جيش المسلمين (٣١٣) رجلًا منهم فارسان فقط وهم الزبير بن العوام والمقداد بن عمرو الكندي وسبعون جملًا (٣)، وهو عدد قليل وعدة قليلة قياسا بعدة وعدد جيش المشركين. ٣- وعلى الرغم من قلة جيش المسلمين بالعدة والعدد إلّا أن روحهم القتالية الوثابة والمتقدة بنور الإيمان والعقيدة الحقة كانت السبب الرئيسي في انتصار المسلمين الساحق في هذه الغزوة وتأييد الله لهم بإمداد المسلمين بالملائكة ليوقعوا الرعب في قلوب الأعداء ويرهبوهم كما جاء في سورة ال عمران (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127))، وكذلك قوله تعالى في سورة الانفال (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13).) ٤- إضافة إلى اهمية دور القائد في احتواء المقاتلين ودعمهم ماديًا ومعنويًا بالتشجيع والدعاء، خاصة إذا كان هذا القائد هو خاتم الأنبياء والمرسلين حبيب رب العالمين محمدًا المصطفى الأمين (صلى الله عليه وعلى آبائه الطيبين الطاهرين) فقد (خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الناس فحرضهم وقال: والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة. فقال عمير بن الحمام أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل) (٤). ٥- كما أسس الرسول (صلى الله عليه وآله) للمبادئ والاخلاقيات السامية في الحرب من خلال عدم التمثيل بالعدو حيث ورد (أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو ويدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيا) (٥). ٦- ومن جملة الأُسس الإسلامية النبيلة في هذه المعركة هي الرحمة بالأسرى حيث أوصى بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله سلم) بقوله: (استوصوا بالأسارى خيرًا) (٦) ومفاداتهم بالمال لتقوية الصف الإسلامي أو اطلاق سراح بعضهم دون فداء أو اطلاق سراح بعضهم بعد تعليم المسلمين القراءة والكتابة. ٧- ولعل من أجمل ما أسس النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في هذه المعركة هو أخوة المسلمين الحقيقية بالعقيدة والإيمان وجعلها أهم من الأخوة في الدم إن كان الأخ كافرًا بالله، وتجلى ذلك بوضوح في هذه المعركة بأن الأقارب والأرحام يتواجهون في هذه المعركة وكأنهم أعداء، لا تأخذ المسلمين فيهم لومة لائم مهما قربت اللحمة بينهم، فالأُخوة الحقيقية في الدين، وفي ذلك شواهد كثيرة جدًا يطول المقام بعرضها ولكن سأكتفي بموقف مصعب بن عمير (رضي الله عنه وارضاه) وأخيه (أبي عزيز بن عمير، أسره أبو اليسر ثم اقترع عليه فصار لمحرز بن نضلة، وأبو عزيز أخو مصعب بن عمير لأمه وأبيه. فقال مصعب لمحزر: اشدد يديك به، فإن له أمًا بمكة كثيرة المال. فقال له أبو عزيز: هذه وصاتك بي يا أخي؟ فقال مصعب: إنه أخي دونك! فبعثت أمه فيه بأربعة آلاف، وذلك بعد أن سألت أغلى ما تفادى به قريش، فقيل لها أربعة آلاف) (٧). ٨- وبالإضافة إلى ما تقدم فإن هذا النصر الساحق على قريش -القوة الضاربة في التجارة والسطوة بين القبائل في شبه الجزيرة العربية- له الأثر الكبير في رفع معنويات المسلمين وشعورهم بالعزة والقوة وشعور المشركين بالذلة والضعف أمام المسلمين الذين أصبحوا أصحاب قوة يشار لها بالبنان في المنطقة وأصبحت لهم هيبة وعزة مما أدى إلى انتشار دين الإسلام بصورة أوسع. وبلحاظ ما تقدم فإن غزوة بدر الكبرى ليست مجرد معركة مهمة انتصر بها الإسلام نصرًا مؤزرًا انعكس على الجانب السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمسلمين بل إنها أسست إلى الكثير من العقائد والمفاهيم الإسلامية على مر العصور والأجيال كمنهج حياة يعتمد على الأسس والمبادئ التي ترتكز على الفطرة والعدالة والإنسانية. _______________________ (١) بدر الكبرى .. المدينة والغزوة، ص ١٨. (٢) تاريخ الطبري، ج٢، ص٢٧. (٣) موسوعة التاريخ الاسلامي،ج٤٢، ص١١. (٤) سيرة ابن هشام، ج٣، ص ١٧٥. (٥) المصدر نفسه، ج٣، ص ٢٠٠. (٦) السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل احداث، ج٣، ص٦١. (٧) مغازي الواقدي، ج١، ص٥٢.
اخرى
هل مات الإمام؟!
لا تستغربوا.. واستمعوا قليلاً.. وستجدون أنَّ لهذا السؤال واقعاً.. لكن علينا أن نلتفت أوّلاً إلىٰ أنَّه ليس المقصود من الموت هي مفارقة روح الإمام لجسده وخروجه من الدنيا، كلَّا. فإنَّ من يقول بهذا الأمر الآن يُعتَبر كافراً بما ثبت عن رسول الله من أنَّه لا بدَّ من قيامه. فقد ورد عن رسول الله الأعظم أنَّه قال: «... المهدي الذي يملؤها قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحقِّ نبيّاً، لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد، لطوَّل الله ذلك اليوم، حتَّىٰ يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح الله عيسىٰ بن مريم فيُصلّي خلفه، وتشـرق الأرض بنوره، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب»(1). بل لو مات الإمام، فهذا معناه أنَّ الأرض ستبقىٰ بلا إمام، وعندئذٍ لا يمكن أن تستمرَّ الحياة، فعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لو أنَّ الإمام رُفِعَ من الأرض ساعة لساخت بأهلها كما يموج البحر بأهله»(2). إذن، نقصد من الموت هنا معنىٰ آخر. فكيف مات الإمام المهدي؟ لقد مات الإمام في قلب من لا يذكره. لقد مات الإمام في قلب من لا يعرفه. لقد مات الإمام في قلب من يتذكَّره عند المعصية فيتناساه. لقد مات الإمام في قلب من لا يقف حبُّه حائلاً دون المعصية. لقد مات الإمام في قلب من لم يُعرِّف أولاده بإمامهم. لقد مات الإمام في قلب من لم يجعل وقتاً خاصّاً لزيادة معرفته به. لقد مات الإمام في قلب من أنكره. لقد مات الإمام في قلب من يئس منه ومن ظهوره. لقد مات الإمام في قلب انشغل بحبِّ شهوي دنيوي وتناسىٰ آخرته. وهناك ألف قلب وقلب مات الإمام فيه! في رواية أبي سعيد الخراساني، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «... وسُمّي القائم لأنَّه يقوم بعدما يموت، إنَّه يقوم بأمر عظيم»(3). وفي رواية الصقر بن دلف، عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: فقلت له: يا بن رسول الله، ولِـمَ سُمّي القائم؟ قال: «لأنَّه يقوم بعد موت ذكره، وارتداد أكثر القائلين بإمامته»(4). هذه الرواية وأمثالها تدعونا إلىٰ أن نراجع أنفسنا، وأنَّه هل نحن فعلاً من الذاكرين للإمام القائم (عليه السلام) أم من الناسين له؟! وفي نفس الوقت تدعونا إلىٰ العمل علىٰ أن نكون من الذاكرين له في صلواتنا ودعائنا وصدقاتنا وجميع أحوالنا حتَّىٰ لا نكون ممَّن مات ذكر القائم في قلوبهم. فهل مات الإمام في قلوبنا؟! _________________ (1) كمال الدين للصدوق: 279 و280/ باب 24/ ح 27. (2) بصائر الدرجات للصفّار: 508/ ج 10/ باب 12/ ح 3. (3) بحار الأنوار للمجلسي 51: 30/ ح 6. (4) بحار الأنوار للمجلسي 51: 30/ ح 4. من كتاب على ضفاف الانتظار/ صفحة (24-27) الشيخ حسين عبدالرضا الأسدي
اخرى
سيدة الولاء والوفاء
بقلم: سماهر الخزرجي إنَّ دراسة حياة الشخصيات العظيمة والرموز الإسلامية من ضروريات الحياة لأنهم يمثلون المنهل العذب الذي ننهل منه الدروس والعبر التي ترسم لنا خارطة طريق متكاملة تسمو بنا نحو الكمال، وقد أخفى التاريخ الكثير من الحقائق وغيّب أمورًا أخرى، ومنع تدوين الكثير منها مع ما لازمه من التحريف والحشو بالأباطيل والكذب، وهذا ما نلاحظه في سيّر العظماء والصالحين ولا سيما كل من يمتُ لبيت علي (عليه السلام) بصلة، محاولًا طمس تلك الفضائل والمشاهد العظيمة، ومن تلك الشخصيات العظيمة والرموز البارزة السيدة الجليلة أم البنين (فاطمة الكلابية) (سلام الله ورضوانه عليها)، تحجيمًا لشخصها وتغييبًا لدورها الفذ في الذود عن الآل وعن حياض الدين. إلا أنّ إرادة الله شاءت غير ذلك، فرغم أنه لم يصلنا عنها وعن تفاصيل حياتها إلا القليل، إلا أنّ فضلها وذكرها ومآثرها ملأت الخافقين وأصبحت قدوة للنساء ونموذجاً للفناء والانصهار في آل البيت (عليهم السلام). ففي ذلك البيت الحجازي الشريف وفي أجواء هجيرها المتقد نشأت تلك المرأة النبيلة ذات الخصال الحميدة والسجايا الفاضلة والمآثر الكريمة، النقية، الورعة، الفصيحة، البليغة، والعفيفة النفس وقد أثرت البيئة التي نشأت وترعرعت فيها على صقل شخصيتها وتربيتها وتنشئتها تنشئة صالحة، فقد تربت في أسرة عريقة شريفة حوت من الفضائل ما لا تحويه باقي الأسر، فقد أتفق المؤرخون أن آباء فاطمة وأجدادها هم من أشجع القبائل وأفرسهم بعد بني كلب، وقد تميّزت تلك الأسرة بولائها الشديد لآهل البيت (عليهم السلام)، فظهر ذلك جليًا على شخصية أم البنين (عليها السلام)، وذلك نستشفه من حادثة الخطبة، حيث تقدم عقيل لخطبتها من أبيها لأخيه علي (عليه السلام ) وهو يقول له: جئتك بشرف الدنيا والآخرة. ويروي لنا المؤرخون أن حزام أسرّه الخبر كثيرًا إلا أنه خشى أن لا تكون صالحة لهذا البيت، حيث إنه مهبط الوحي ومختلف الملائكة ومعدن الرسالة، فإنه يرى لمثل علي (عليه السلام) أن تكون له امرأة ذات علم وعقل وأخلاق حسنة -مع علمه بما تحمله ابنته من هذه الخصال- فينبري ليسأل أُمها عنها. فتجيب الأم بثقة عالية: يا حزام والله قد ربيتها وأحسنت تربيتها وأرجو الله العلي القدير أن يسعد جدها وأن تكون صالحة لخدمة سيدي ومولاي أمير المؤمنين (عليه السلام). فتنزل الكلمات على قلب حزام كنزول الغيث على أرض جدباء، ويقدمها لأميره بصفة خادمة لا زوجة! ولا بد أن يكون لفاطمة رأي في ذلك فهذه من مختصات حياتها وشؤونه، وقد أكد الشرع على استحصال رضاهنَّ في ذلك. فتقف تلك السيدة الجليلة الواعية الناضجة العالمة الورعة عند مفترقين، فهي تعرف بسيرة من جاءها خاطبًا، وما كان يطغى على ذلك البيت من إيثار وجوع وفقر ومشقة، وتلك العائلة التي نزل بحقها قرآنًا في خواء بطونهم وإيثارهم للمسكين واليتيم والأسير، تعلم المستوى المادي والمعيشي، وأضف لذلك علمها بما جار عليهم الدهر من محن ومصائب وظلم الأصحاب لهم بعد رحيل الحبيب صلى الله عليه و آله، وقد جال في خاطرها وهي تبدي الموافقة على الارتباط به -مفتخرةً بذلك- إعراضها عن الدنيا طالبة الزهد والتقشف مشيحةً وجهها عن ملذاتها وزبرجها وزينتها وعليها أن تعد جلباب الفقر والبلاء واللأواء، مستذكرة الحديث الشريف (من أحبنا فليعد للبلاء جلبابًا) (١) وما الذي قبال ذلك؟ قباله شرف الفوز بخدمتهم والفوز الأبدي والخلود في الدارين واللحوق بالنبي وآله في درجاتهم. وأثناء ذلك تنساب إلى مسامعها تلك الآيات ((يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29))) (٢) فتشعر بالاطمئنان وعذوبة الإيمان، فتشكر الله في سريرتها وتحمده أن خصها بهذه النعمة الكبرى.. وتدخل فاطمة ذلك البيت العلوي الشريف، وتنصهر في محبتهم وخدمتهم، وتعيش حالة من نكران الذات لأجلهم، فلقد ذابت وأذابت في ولائهم فلذات اكبادها، وتتوالى المحن على البيت العلوي ويعصف الحزن قلب فاطمة بفقدها زوجها وسندها، ثم لم يمهلها الزمن حتى يكلم قلبها بالحسن (عليه السلام)، وهي ما زالت تعيش ظلامات الحسين، ولم تنزع ذلك الجلباب الذي أعدته للبلاء وكانت شامخة كالجبل الأشم. يقول العلامة باقر شريف القرشي (رضوان الله عليه) في كتابه (العباس رائد الكرامة والفداء في الإسلام): "لم يعرف التاريخ أن ضرّة تخلص لأبناء ضرّتها وتقدمهم على أبنائها سوى هذه السيدة الزكية، فقد كانت ترى ذلك واجبًا دينيًا لأن الله أمر بمودتهم في كتابه الكريم" (٣) فكانت (سلام الله عليها) خير مصداق للأحاديث التي أمر بها النبي (صلى الله عليه وآله) بود أهل البيت بحبهم وولائهم والاتباع لهم والتمسك بحجزتهم. وكما هو معروف، فإنه عند الاختبار تظهر معادن البشر وتُعرف سرائرهم ودخائل ضمائرهم وصلابة إيمانهم، وقد أشار القرآن الكريم لذلك في قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) )(٤) ولا أرى هناك فقد أعظم من فقد الولد فكيف إذا كانوا أربعة! وكيف الحال إن كانوا على هذه الدرجة العالية من الفضيلة ونفاذ البصيرة؟! مع إنها لم تعبأ بنبأ مقتل بنيها الأربع، بل راحت تحث الخطى لتسأل عن الحسين (عليه السلام) عن إمامها، وهذا ما يحدثنا عنه الشيخ المامقاني في كتابه تنقيح المقال قائلًا: (إن علقتها بالحسين عليه السلام ليس إلا لإمامته (عليه السلام) وتهوينها على نفسها موت هؤلاء الأشبال الأربعة إن سلم الحسين (عليه السلام) يكشف عن مرتبة في الديانة رفيعة) (٤) ولأجل ذلك تبوأت هذه السيدة الزكية تلك المنزلة الرفيعة والمقام السامي، فسلام عليها يوم ولدت ويوم ماتت ويوم تبعث يوم القيامة.. ______________ ١- غرر الحكم _٩٠٣٨ ميزان الحكمة، محمد الريشهري_ ص ٥٢٠ ٢- سورة الأحزاب الآيات _٢٨_٢٩ ٣- العباس رائد الكرامة والفداء في الإسلام، للقرشي صفحة ٢٧ ٤- سورة البقرة الآيات _١٥٥_١٥٧ ٥- تنقيح المقال للمامقاني صفحة ٣٤٧
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى