تشغيل الوضع الليلي
لآلئ من نهج البلاغة/ الحكمة الثالثة/ الجزء الثاني
منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 5022
بقلم: يا مهدي ادركني
الفصل الثاني
قوله (عليه السلام): (والجبن منقصة)
المفردة الأولى
الجبن لغةً: ضد الشجاعة، والجبان من الرجال هو ضعيف القلب الذي يهاب التقدم على الأشياء، وقيل: هو الخوف مما لا ينبغي.
والخوف إلى قسمين:
الخوف الحسن: وهو الخوف مما ينبغي منه الخوف، وهو أمر عقلائي ونعمة من نعم الله تعالى، فإن كان الإنسان لا يشعر بالخوف فقد يرمي نفسه في التهلكة، ولذا قال العقلاء (أن المعرفة واجبة لدفع الضرر المحتمل وقوعه)، وهذا الشعور هو أحد أسباب وجوب المعرفة، وإن من أفضل الفضائل هو الخوف من الله تعالى.
الخوف القبيح: وهو الجبن بعينه وهو من الرذائل، فهو الخوف مما لا ينبغي وهي صفة مذمومة للرجل والمرأة بصورة عامة وللرجل بصورة خاصة.
ويظهر أن للجبن معنيين في اللغة: ما هو ضد الشجاعة وما هو ضد الغضب (الخوف)، وقد يكون أحدهما مؤدياً للآخر، وفي الأغلب يكون الخوف نتيجة الجبن، حيث أن الجبن كما جاء في تعريفه عن صاحب جامع السعادات للشيخ النراقي (قدس سره) [هو سكون النفس عن الحركة الى الانتقام أو غيره، مع كونها أولى] (1).
أما الخوف فهو اضطراب للنفس والشعور بالألم ، وهو توقع أمر مريب فتتخوف النفس من الوقوع فيه، وغالبًا ما يكون أمرًا مجهولًا للنفس، وعادةً السكون يسبق الاضطراب، فالهدوء يسبق العاصفة، وعليه قد يكون للجبن مراحل ودرجات.
أسباب الجبن:
إن للجبن أسباباً كما هو الحال في بقية الآفات التي تصيب الأنسان، وإذا عرف السبب قد يتمكن الإنسان من معالجة نفسه أو تفادي هذه الأسباب في المستقبل.
ممكن أن تكون الأسباب المؤدية الى الجبن على ثلاثة أقسام، وذلك بحسب الجانب الذي ترتبط به، فقد تكون اجتماعية تربوية، وقد تكون دينية، وقد تكون معرفية، ولتوضيح الأمر:
المنشأ الأول: الاجتماعية التربوية:
لا شك إن للمجتمع والتربية تأثيرًا واضحًا على مسار الفرد وسلوكه بل وحتى على تركيب شخصيته، فإن من يولد في مجتمع يشتهر بالعلم والحكمة تجد ميوله –عادة- منذ نعومة أظافره تتجه الى طلب العلم والارتواء منه، والعكس صحيح، هذا فضلًا عن المؤثر المباشر في شخصية الطفل: (الأم والأب) إذ لهما الدور الأكبر في رسم ملامح تلك الشخصية وترسيخ المبادئ الجيدة او غير الجيدة تبعًا للشخصية الأساسية (شخصية الأبوين)، فإن الطفل كقطعة من الإسفنج فإن وضعت في ماء نقي امتصته وإن وضعت في ماء متسخ امتصته أيضًا فتتسخ هي بالنتيجة.
وهنا يكون التأثير في بناء تلك الشخصية وفق محورين على كلا المستويين: الاجتماعي او الأسري، وهما:
المحور الأول: إذا كانت البيئة المحيطة لهذا الولد تستخدم أساليب العنف والترهيب مع الطفل وعدم السماح له بالحوار باعتباره مازال صغيرًا ولا حق له في إبداء رأيه، ينتج عن ذلك شخصية ضعيفة هزيلة لا تملك القوة على المواجهة.
وقد تكون ثقافة تلك البيئة هي ثقافة (المعلبات) والمقصود بهذا هو حد الإفراط في تدليل الطفل فمن شدة حب الأبوين له لا يتركانه يخوض أي تجربة خوفًا عليه من الانكسار النفسي، ولكن في الحقيقة الذي ينتج من هذه الثقافة هو طفل معاق نفسيًا لأنه يكون غير قادر على مواجهة الحياة، لأنه كان دومًا داخل تلك الزجاجة التي وُضع فيها، فما إن تنكسر تلك الزجاجة لفقدانه الأبوين او نتيجة استقلاله، إلا وتجد أبرز ملامح تلك الشخصية هي الجبن.
المحور الثاني: وهو من الممكن أن يندرج تحت تسمية (العدوى) ومعنى ذلك أن يكون الفرد او المجتمع الذي يعتني بتربية ذلك الطفل مصاباً بتلك الصفة (الجبن) وحيث أن الطفل كالمرآة ينعكس في شخصيته كل ما يقابله ويصادفه، لذا تجد أن تلك الصفة تترسخ فيه.
المنشأ الثاني: وهو الذي عبرنا عنه بالمصطلح (الديني).
وهنا لابد أن نشير الى العلاقة التي تربط الدين بالجبن، ونقول: إن المراد من الدين هو الإيمان وحيث أن مفهوم الإيمان هو مفهوم ذو مراتب (مشكك) لذا كلما ازداد الإيمان قل الجبن حتى يصل الى الاضمحلال، فهي علاقة عكسية في الواقع، وذلك لأن الإنسان المؤمن هو الإنسان الغارق في التسليم والرضا لله تعالى فهو لا يهاب ما قد يحدث ويعلم جيدًا بأن الله تعالى هو الذي بيده الأمور وإن شاء أن يغير الأحوال لفعل بكن فيكون، فليس هناك قوة تستحق أن يهابها الإنسان ويرتعد منها غير قوة الله عز وجل.
وهذا لا يعني أن يتجرد الإنسان من صفة الخوف ولا يُحكّم عقله ويرمي نفسه في التهلكة، وإنما يجب عليه أن يواجه المخاطر، وذلك بعد أن يحصن نفسه ويهيئها لذلك، ويستمد بهذا القوة من القوي العزيز الذي لا يخيب من رجاه، وعندها سيمده الله بقوة الإيمان، لذا نجد من صفات المؤمنين القوة والشجاعة، فقد قيل في شجاعة مالك الأشتر(لو دخل مالك الى غابة ظلماء ووضع قدمه في بطن لبوة لما اهتزت شعرة من رأسه)، وإن السبب في شجاعة مالك الأشتر (رضوان الله عليه) هو شدة إيمانه.
في رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) تصف أصحاب الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بأن قلوبهم كزبر الحديد فيقول: "كأني أنظر الى القائم (عليه السلام) وأصحابه في نجف الكوفة كأن على رؤوسهم الطير، قد فنيت أزوادهم وخلقت ثيابهم، قد أثر السجود بجباههم، ليوث بالنهار رهبان بالليل، كأن قلوبهم زبر الحديد، يعطى الرجل منهم قوة أربعين رجلًا...)
فنجد في هذه الرواية تأكيداً على صفة القوة والشجاعة فقد وصفهم (عليه السلام) بأنهم (ليوث) والذي يراد منه هنا القوة التي تجعلهم لا يهابون شيئاً بل ويهابهم كل شيء.
وأما اللفظة الثانية (زبر الحديد) فهو تشبيه لتلك القلوب بقطعة الحديد والمراد من هذا التشبيه هو قوة الإيمان الراسخة في تلك القلوب وهي قوة معنوية تبث في الروح لتجعل الجسد ثابتًا لا يرتعد مهما كان الموقف الذي يواجهه.
وأخيرًا جاء التأكيد بلفظ (القوة) ظاهرًا والمراد هنا هو القوة البدنية كما هو واضح. (2)
المنشأ الثالث: الجهل.
وهو عدو الإنسان دائمًا، فإن الإنسان يخاف مما يجهله لأنه لا يعلم ما هي عواقبه فتجده يخاف ان يدخل نفقاً مظلماً أو يسلم نفسه لطبيب غير معروف، ولكن ما إن تحصل لديه المعرفة بأن ذلك النفق هو آمن وذلك الطبيب من الأطباء المعروفين الناجحين عندها فقط يحصل لديه الاطمئنان ويخوض تلك التجارب، لذا، فللعلم قوة ترفع عنه القلق وتبدد سحب الخوف وتمده بالشجاعة، فكلما ازداد علمًا كلما ازداد شجاعةً.
الرؤية القرآنية للجبن:
في الحقيقة لم يرد الجبن بلفظه المباشر في القرآن الكريم، وإنما جاء بإشارات ذم واضحة ومنها:
1- قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا72وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} سورة النساء: آية [72،73].
2- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ.وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} سورة الأنفال: آية [15،16].
3- قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} سورة التوبة: آية [49].
إن ذم التقاعس نتيجة الجبن والخوف واضح جدًا فإنه تعالى ينعتهم بالكفر والتوعد لهم بنار جهنم وبئس المصير.
الرؤية الروائية للجبن:
إن أهل بيت العصمة (صلوات الله وسلامه عليهم) كان لهم من ضمن وصاياهم النهي عن هذه الرذيلة أيضًا باعتبارها من الصفات التي تقعد بالإنسان عن الاستمرار في سلم التكامل الذي خلق لأجله، ونذكر البعض منها:
1- عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "لا ينبغي للمؤمن أن يكون بخيلًا ولا جبانًا"(3).
2- وعنه أيضًا (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد الى أرذل العمر" (4).
3- عن الإمام الصادق (صلوات الله وسلامه عليه) أنه قال: "لا يؤمن رجل فيه الشح والحسد والجبن، ولا يكون المؤمن جبانًا ولا حريصًا ولا شحيحًا" (5).
________________
1- كتاب جامع السعادات للشيخ النراقي/ الجزء الأول/ ص241.
2- بحار الأنوار للعلامة المجلسي/ج52/ص386.
3- أنوار الحكم ومحاسن الكلم/ الجزء الأول/ ص85.
4- نفس المصدر السابق.
5- المصدر السابق/ص86.
اخترنا لكم
كيف نربي!
بقلم: قاسم المشرفاوي سؤال يطرحه الكثير من الآباء والأمهات لشعورهم بالعجز والإحباط في ظل كثرة الفتن والمثيرات، وفي ظل التجاذبات العديدة التي نعاني منها هذه الأيام، فعالم الإنترنت يغزو بيوتنا ويدخل بأوسع أبوابه وتأثيراته السلبية العديدة والكثيرة جداً، فماذا يستطيع الأهل فعله أمام هذه الصعوبات؟ ففي يومنا الحاضر أصبحت التربية من أصعب الأعمال الشاقة التي تدفع بالأهل للتفكير بجدية أكثر من أجل وضع المعالجات الناجعة والمناسبة قبل حدوث الكارثة والمصيبة. قلنا في مقالات سابقة: إنه يجب على الأهل الاستعداد التام والتخطيط المسبق قبل التفكير بالإنجاب، فوضع الخطط المسبقة لإدارة أمور التربية الأسرية من الأشياء التي تقلّل الأخطاء التي يقع فيها الأبناء، فلو كان الأبوان مطلعينِ على أساليب التربية الحديثة والتي ذكرها الله تعالى على لسان رسوله الكريم (محمد صلى الله عليه واله) لكانت لديهم حصانة ومعرفة في التعامل مع المراحل المختلفة التي يمر بها الأطفال، ولأعطوا كل مرحلة عمرية حقها، وبهذا فهم يقومون ببناء شخصية طفلهم بناءً صحيحًا وقويًا يناسب الظروف وحداثتها. ولم يغفل الشارع المقدس عن تقديم الأسلوب الأمثل في التعامل مع مختلف المراحل العمرية حيث قال النبي الكريم محمد (صلى الله عليه وآله): الولد سيد سبع سنين، وعبد سبع سنين، ووزير سبع سنين ،فان رضيت خلائقه لإحدى وعشرين سنة، وإلّا ضُرب على جنبيه فقد أعذرت إلى الله تعالى. فالحديث الشريف يعتبر قاعدة تربوية يجب علينا كآباء وأمهات أن نفهمها ونطبقها بشكل صحيح لتؤتي ثمارها، فالحديث تكلم عن ثلاث مراحل عمرية مختلفة يمر بها الطفل، وكل مرحلة أعطاها خصائصها المهمة والمناسبة… حيث وُصفت مرحلة السبع الأولى، بالملك والسيد في عبارة الولد سيد سبع سنين. ووصفت مرحلة السبع الثانية، بالعبد. ووصفت مرحلة السبع الثالثة، بالوزير . لقد أعطى الإسلام للطفل في مرحلة السبع سنوات الأولى حقه في ممارسة طفولته والاستمتاع بها، وأطلق عليه وصف السيد والملك، وهو الذي يأمر ويطلب ما يريد وما يرغب، فالطفل يرى أن والديه يرزقانه، فهو لا يفكر من أين يأتي والده بالمال، وإنما يريد أن يستمتع بوقته، فهو يحتاج إلى الألعاب ليلعب ويمرح، وينطلق في هذه المرحلة، فعلى والديه أن يوفرا له كل ما يريد قدر المستطاع لينمو بشكل متزن وتكون شخصية قوية ومنضبطة بسبب اشباع حاجاته الجسدية والنفسية، كالحب والأمان والتقدير والاحترام، ليكتمل نموه العاطفي والنفسي بالتدريج، مع باقي المراحل الأخرى. فالطفل في سنواته السبع الأولى يحتاج إلى الاحتضان واللعب وتخصيص وقت للاستماع إليه ليشعر بأنه السيد والملك كما وصفه الحديث الشريف وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتعامل مع الأطفال بهذه الروحية العالية ويصرح بها: أولادنا أكبادنا، صغراؤهم أمراؤنا... وقد تبين من خلال الدراسات النفسية العديدة: أن الطفل في مرحلة السبع الأولى غير مهيأ سيكولوجياً لتلقّي التأديب والتعليم، وخصوصًا في سنواته الخمس الأولى، لأن مرحلة التأديب تحتاج إلى نفسية قوية تستقبل هذا التطور، وبدون أن يأخذ الطفل طفولته ويستمتع بها في مرحلة السبع الأولى فإنه سوف يبقى يحن إلى اللعب والنشاط إلى آخر أيام حياته. ومن الخطأ الإسراع بالطفل إلى الروضات التي تمارس الانضباط في الدرس والتعليم وهو في عمر الرابعة والخامسة، حيث إن شخصية الطفل تفقد التوازن مستقبلاً، فهي أما تكون جادة أو ميالة إلى الهزل واللعب وعدم الجدية، لأن الطفل إذا حُرم من اللعب والذي يُعد حاجة نفسية تساهم في توازنه النفسي والعاطفي في سنواته الأولى فإنه يكون أما شخصية مثالية غير اجتماعية، وأما شخصية لا أبالية وهزلية وتهتم باللعب وعدم المسؤولية بسبب شعوره بالنقص وعدم الإشباع من الطفولة. ويمكن تعليم الطفل في هذه المرحلة بالتدريج بعض الأشياء الضرورية والمهمة، كاحترام الكبير وتوقيره وبعض الأدبيات والذوقيات بشكل مبسط وجذاب ويا حبذا استخدام أسلوب القصة التربوي فهو أسلوب جذاب ومثير للأطفال. لو طبّقنا الشطر الأول من الحديث بأسلوب صحيح، فإننا سنحصل على عبودية الطفل وامتثاله للأوامر الأبوية ببساطة وبدون عناد، فهو سيد سبع سنين، وعبد سبع سنين فإذا اعطيناه السيادة والملوكية في سنواته السبع الأولى سيكون عبدًا مطيعًا لنا في سنواته السبع الثانية بما يخدم مصلحته، وبهذا استطعنا أن نسير وفق برنامج محصن ورصين منذ الأيام الأولى. فالمرحلة الثانية هي المخصصة للتربية الإيجابية والتي يجب على المربي الشاطر أن يستغلها بشكل إيجابي ليؤسس قواعد تربوية في ذهن الطفل، ففي هذه المرحلة: ١: يمتاز بالجدية والطاعة للأبوين إكمالاً للمرحلة الأولى التي أمتاز بها الطفل بالسيادة، فالطفل كان يأمر ويطلب، والآن يُطلب منه الطاعة، فهي عملية امتداد واستمرار من أجل غرس القيم الصحيحة.. ٢: يكون الطفل في هذه المرحلة تحت نظر وعناية والديه فيجب اعطاؤه الوقت الكافي بالمصاحبة والمراقبة التامة. ٣: أن نستخدم الحزم مع الطفل لتعليمه الأخلاق، فهو عبد سبع سنين، فالطفل يحتاج في هذه المرحلة إلى الشدة والضبط ليتعلم من والديه كل ما هو مفيد ونافع. وقد روي أن النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) نظر إلى بعض الأطفال وقال: ويل لأولاد آخر الزمان من آبائهم، فقيل: يا رسول الله! من آبائهم المشركين؟ فقال: لا من آبائهم المؤمنين، لا يعلمونهم شيئًا من الفرائض وإذا تعلموا –يعني أولادهم- منعوهم ورضوا عنهم بعرض يسير من الدنيا فأنا منهم بريء وهم مني بُراء. والمرحلة الثالثة التي ذكرها الحديث وهي مرحلة تمتد من عمر (١٤_ ٢١) عامًا، وهي آخر مراحل التربية، حيث يمر الطفل بمرحلة البلوغ والتغيرات الجسمية، وحيث تختلف هذه المرحلة عن سابقتها، لدخول الطفل مرحلة الشباب والمراهقة وتتميز هذه المرحلة: ١: بروز علامات الرجولة بالنسبة للذكوز، وبروز مظاهر النساء بالنسبة للإناث، وهذا التغير الجسمي يؤثر في نظر الولد والبنت اتجاه نفسيهما حيث يعتبر نفسه بأنه انتقل الى مرحلة متقدمة. ٢: هذا البلوغ يؤثر في الحالة النفسية بسبب التغيرات الهرمونية التي تطرأ على هذه المرحلة. ٣: انتقال الولد إلى مرحلة التكليف الشرعي، ويجب هنا أن يكون مهيأً قبل سن بلوغه من الناحية النفسية والعاطفية من قبل أبويه، ويتم ذلك بشرح الواجبات الشرعية بشكل مبسط وتحبيب الدين إليه بأسلوب مثير يجعله ينجذب إليه ولا ينفر منه. وهنا يجب على الأب والأم أن يتعاملوا مع هذه المرحلة: -يجب التعامل باحترام شديد ليشعر الولد والبنت بأن لهم مكانة مرموقة لدى آبائهم وأمهاتهم، فقد ذكر الحديث (ووزير سبع سنين) وهنا يجب على الأهل الاستماع إلى ابنائهم ومشاركتهم في الرأي فالوزارة تقتضى ذلك.. -يجب أن يكون الولد إلى جنب أبيه، فهذه المرحلة يجب أن يتعلم فيها الابن كيف يساند أباه ويساعده ليشعر بالمسؤولية بشكل يشكل لديه تصور صحيح للمستقبل. - يجب أن يصادق الأب ابنه ويقربه إليه، وكذلك الأم يجب عليها مصاحبة ومصادقة ابنتها، فالعلاقة يجب أن تكون قوية ورصينة.. -وهذه المرحلة تقتضى على الأبوين اشعار أبنائهم بأنهم موضع ثقتهم ولهم أهمية ودور في الأسرة، وهذا يتم من خلال تحميلهم مسؤوليات مناسبة لمرحلتهم العمرية، فالولد يجب عليه أن يساعد والده في بعض الأعمال المناسبة، والفتاة يجب عليها مساعدة والدتها في أمور البيت؛ لتتعلم كيف تتعامل مع حياتها المستقبلية، فالأبوان هما المصدر الأول لتعليم الأولاد وتطويرهم..
اخرى
خاطرة
شهرٌ شاء الله أن تتغشى ظلماتِنا أنوارُه؛ لهي اعظم فرصة لنا للعمل على ترميم ذواتنا، جمع ذراتنا النورانية بين حطام الدنيا واكوامها المتكدسة في نفوسنا.. فلنبدأ اولا بالنوايا.. نعم، فهي مفتاح العطايا. ليكن عندنا وقفة مع كل نية متجددة، في كل عمل نبتغي فيه رضا الرب الجليل، كأن يكون قولاً نرسم به البسمة والسكينة بقلوب العباد... او خطوة الى صلة رحمٍ منقطع عنا... والسبل كثيرة بأحرف الحب في الله تعالى ولله تعالى ومع الله تعالى نقولها: ببسم الله، نبدأ سعادة جديدة! #سعادة_جديدة
اخرى
للغزو عنوان آخر
يغزو شبابنا في هذه الأيام فكر ماكر وخفي يستهدفهم خاصة، والجيل الجديد بشكل عام. ألا وهو «الاستهزاء بالعادات والتقاليد». كثر في الآونة الاخيرة انتشار الانتقاد والتقليل من شأن العادات والتقاليد العرفية ومحاربتها بالأساليب الملتوية والخادعة. وأتخذ المروج «المهرج» لهذا الفكر الساذج، الغريب منها وغير المنطقي ليطرحه بطريقة النقد الساخر الكوميدي صعوداً إلى الجيد والضروري، ليألف المتلقي وخاصة المراهقين لما ينشر ويذاع بداية ولا يلتفت إلى ما هي الغاية المرجوة فعلاً وحقاً، ويعتاد على قبول ذمها والتنقيص من شأنها. لذا ينبغي مواجهة كل من يحاول المساس بها وصده وكشف نواياه الخبيثة والتنبيه من مخاطره، لئلا يقع أبناؤنا في الفخ تحت أنظارنا ونحن لا نحرك ساكناً. ومما يؤكد ما أقول الانتشار الواسع لهذه الحملة في مدة قصيرة من الزمن والتفنن في العمل الذي يؤديه أصحاب هذا المجال للنيل من شبابنا. لذا وجب على الجميع وبالخصوص "الأهل" توضيح مفهوم التقاليد لأبنائهم ولا يتركون تَعَرفهم عليها للصدفة، لأنهم أمانة في أعناقهم. ونحن بدورنا نبين بعض النقاط المهمة في هذا الموضوع علّنا نستطيع المساعدة. من أهم مقتضيات الالتزام بالتقاليد العرفية هو التالي: 1_لو لم نتبع التقاليد التي تربينا عليها وجب علينا البدء من الصفر وهذا مستحيل(1). 2_أغلب الأحيان تكون العادات والتقاليد مستمدة من الدين(2) والتاريخ والحضارة. 3_ كثير منها تكون نتاج لحكمة الحكماء(3) وحصيلة تجارب العلماء العملية(4) على أرض الواقع. 4_بكل تأكيد يلزم اجتناب «هذا ما وجدنا عليه اباؤنا» والعمل بالأفضل(5). 5_راجع حياة الناجحين من الماضين في مجتمعك والمجتمعات الأُخرى، هل كانت التقاليد حجر عثرة في طريقهم للنجاح؟! ها نحن سنقرأ معاً اخبار الماضين والحاضرين، ونرى أن الناجحين منهم لم يركنوا عاداتهم وتقاليده جنبا، ولم يستهزئوا بها. لكل قوم عاداتهم وتقاليدهم التي ينفردون بها، فهي السمة البارزة التي تميزهم عن غيرهم، باعتبار أنها مجموعة قيم تربوية تتمسك بها المجتمعات اعتزازاً بأصالتها وتأريخها، وكل منهم يراعي هذه الضوابط ويحترم القوانين ويقدس العادات حفاظا منه على نفسه خاصة ومجتمعه بشكل عام. فلماذا نحن الآن لا نحترم هذه العادات والتقاليد. ولم يعد للفرد أي شيء يهذبه ويحكمه سوى القوانين الموضوعة من قبل الدولة(6) التي يعيش فيها، فأغلب الشباب في وقتنا الحالي يعتبرون العادات والتقاليد التي يلتزم بها مجتمعهم هي مجرد قيود تمنع الفرد من فعل ما يشاء ويتمنى، وخرافات زائفة لا نفع منها، والسبب في هذا هو عدم الوعي الكامل لما يحيط به، بني، لا تدع للمغرضين فرصة للنيل منك... ولا تدع هذه الاوهام تسيطر على ذهنك... ولا تجعل كما الآخرين هذه الأمور شماعة لأخطائه، راجع نفسك فكّر تحرّ وابحث... هل لهذه العادة ذنب فيما أنا فيه حقاً؟! هل هذه التقاليد هي قيود موضوعة لتقييدي فعلاً! ولا استطيع بوجودها تحقيق النجاح والوصول إلى ما أبغي الوصول إليه؟! ولا تلم الزمان على شيء لم يفعله ولا ذنب له فيه. اجعل لكل خطوة من خطواتك دراسة مسبقة، ولا بد أن ندرك أنّ كل ما نواجهه من سوء هو من فعل أيدينا ولا ذنب لغيرنا فيه بل نحن السبب فيه. قال الشاعر نعيب زماننا والعيب فينا .. وما لزماننا عيب سوانا .. ونهجوا ذا الزمان بغير ذنب .. ولو نطق زماننا هجانا.. ألم يكن الماضون ناجحين في حياتهم والحفاظ على هويتهم؟! لو لم نضيّع تراث آبائنا وأجدادنا واحتفظنا بتلك الكنوز النفيسة لم يكن هذا هو حالنا ولم تسبقنا باقي الأمم. ................................................................................. 1- فمن أراد أن يكون طبيباً اتّبع خطى الأطباء من السالفين، وطور ما يستطيع تطويره ولم يستغن عن خبرات السابقين. وكذا المهندس والمعلم والفلاح وغيرهم، فكل منهم اعتماده مبتدئاً على الذي بني قبله. 2- إكرام الضيف، حسن الجوار، مراعاة واحترام كبار السن، مواساة الآخرين في احزانهم، الحشمة، عدم الخضوع في القول، الحياء، الانصاف...، كل هذه الأمور اوصى بها نبي الرحمة (صلى الله عليه واله ) 3- الصّبر عند الشدائد، التّواضع والنّهي عن التكبّر. 4- « لو اعتبرنا القراءة تقليداً» مثلاً. حسب الدراسات لجامعة ساسكس البريطانية ثبت أن القراءة أفضل وسائل الاسترخاء علمياً. 5-بكل تأكيد توجد عادات وتقاليد خاطئة ولم ينزل الله بها من سلطان. 6-الطبيعي أن الذي يحكم المسلم هو ضميره الحي أولاً والأحكام الإسلامية ثانياً، وقوانين الدول لا تستطيع السيطرة كاملاً فنفعها قليل. ولاية علي حصني
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى