تشغيل الوضع الليلي
أختي الزينبية: حجابُكِ تجسيدٌ لولائكِ زيارة الأربعين نموذجاً.
منذ 7 سنوات عدد المشاهدات : 5678
لم يُفرض الحجاب على المرأة المسلمة إنقاصا من كرامتها أو للحط من شأنها بل فُرِضَ تكريما لها وإعلاءً لقيمتها بل وحمايةً لها من النفوس الدنيئة ووقايةً لها من الوقوع في الرذيلة، بالإضافة إلى صيانة عفاف المجتمع وطهارته. كما أنه لم يفرض على المرأة لتُحجب عن الحياة أو لتُمنع من ممارسة حقوقها أو ليُحال دون قيامها بواجباتها أو بما ترغب من المباحات فضلاً عن المستحبات..
وإذا كان الحجاب واجباً على المرأة في كل زمان ومكان وينبغي أن تتمسك به وأن تؤديه بأكمل وجه، فإن هناك أمكنة لها قدسية، وأزمنة لها خصوصية يتأكد فيها التشديد في مراعاة الحجاب وبكلا قسميه الظاهري والباطني.
ونقصد بالحجاب الظاهري حجب المرأة لمفاتنها عن الناظر الأجنبي سواء كانت مفاتن جسمية كالمفاتن المعروفة في جسم المرأة أو مفاتن سلوكية كطريقة المشي والجلوس والكلام وما إلى ذلك، وأما الحجاب الباطني فهو حجابٌ للروح عن كل ما من شأنه أن يدنس عفة المرأة أو يمس طهارتها من قبيل النظر المحرم وما شابه ذلك.. وبذلك يكون حجاب المرأة متكاملاً...
ومن الأزمنة التي لابد للمرأة فيها أن تشدد من مراعاتها للحجاب الشرعي بكل تفاصيله هو موسم زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام)، ومما يضيف إلى هذا الزمان خصوصية أخرى هو قداسة المكان الذي يُتوجه إليه في هذه الزيارة وهو مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، كما إن طهر وعفاف أولى زائراتٍ للإمام الحسين (عليه السلام) في زيارة الأربعين لاسيما عقيلة الطالبيين (عليها السلام) له خصوصية كبرى في نفوس الزينبيات حيث يستلهمن منه ضرورة الاقتداء ببنت سيدة النساء في كل خطوة يخطينها في السير إلى الامام الحسين (عليه السلام).
ولأن المرأة لا يمكن لها أن تفكر بالتبرج والظهور بأبهى حُلّة وأجمل مظهر إلا في حال انبساطها وسرورها غالباً؛ بخلاف الحزن الذي تنشغل فيه عادةً عن الالتفات إلى مثل هذه الأمور، كان للمسير إلى الامام الحسين (عليه السلام) خصوصية أخرى تحتم على المرأة التشديد أكثر في مسألة الحجاب والابتعاد عن التفكير بالتبرج والتجمل وهو استشعار الحزن والألم لما جرى على السادة الأبرار والسيدات الطاهرات..
ولكل ما تقدم أختي الزائرة نضع بين يديك جملة من الملاحظات المهمة التي لا نستبعد علمك بها ولكن نحيطها اهتماماً من باب التذكير لك ولأخواتك الزائرات المؤمنات وفقك الله تعالى وإياهن لكل ما فيه رضاه وتقبل منكن جميعا كل خطوة تسرنها في هذا الطريق المبارك، وكل جهد تبذلنه في إحياء هذه الشعيرة العظيمة، وكل عناء تتكبدنه في سبيل مواساة زينب العقيلة عليها أفضل التحية والسلام.
إن الحجاب على قسمين: ظاهري وباطني.
أولاً: الحجاب الظاهري:
وهو حجابٌ ذو مواصفاتٍ لابُدّ منها ليكون ساتراً للمفاتن أمام جميع الرجال سوى الزوج والمحارم منهم، وقد أمر الله (عز وجل) الفتيات و النساء الالتزام به في القرآن الكريم، كما أكدت عليه السنة المطهرة من أحاديث النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) و الأئمة المعصومين (عليهم السلام).
وبما إن مفاتن المرأة لا تقتصر على الجانب المادي فقط بل تمتد لتشمل الجانب السلوكي أيضاً، إذاً يمكن القول: إن الحجاب الظاهري ينقسم هو الآخر أيضاً إلى حجاب مادي ــ لو صح التعبير ــ وآخر سلوكي.
فأما الحجاب المادي فالواجب فيه هو أن تستر الفتاة أو المرأة كافة أجزاء بدنها ما عدا الوجه و الكفين عن جميع الرجال غير الزوج و المحارم، ولا يشترط فيه زي معين ولكن الأفضل أن ترتدي العباءة الزينبية المعروفة لأنها أجلى مصاديق الحجاب الشرعي وأكثرها تحقيقاً لستر المحاسن وحجب المفاتن.
ومن أهم الشروط التي ينبغي توفرها في الحجاب المادي:
1. أن يكون فضفاضاً...
فلا يصح حجابكِ أختاه الكريمة إذا كان ضيقاً بحيث يُظهر مفاتن البدن. وتذكري أن هنالك ملابس تسبب الالتصاق بالبدن, مثل الصوف والحرير إذا اجتمعا معاً. ومعلومٌ لديك أختاه العفيفة أن التصاق العباءة بالجسد يؤدي إلى ما يؤدي إليه اللباس الضيق، فتنبهي..
2. أن لا يُعد الحجاب من الزينة...
وبما أنكِ أختاه العزيزة صاحبة ذوقٍ رفيعٍ فمما لاشك فيه أنك تميزين جيداً ما يُعد زينةً من كريستالات، أو فصوص لمّاعة، وما شابه ذلك من أمور تشد إليها أعين الناظرين، فاحذري أن يكون حجابكِ مشتملاً على أيٍّ من ذلك لأنه يُعد حينئٍذ من الزينة ومعها لا يعد حجابك مطابقاً لمبتغى إلهكِ وخالقكِ...
3. أن يكون ساتراً لبشرة الجسم..
أي أن لا يكون شفّافاً يُظهر البشرة وسماتها. وقد تتسم بعض الألبسة النسائية اليوم بهذه الصفة أو تشتمل على ما يعد زينة فاحرصي على أن لا ترتديها حتى تحت العباءة أختي الموالية؛ لأن الزينة إنما تُرتدى في مناسبات الفرح والسرور لا عند مناسبات حزن الأطهار وفقد الأبرار..
ومن صحة الحجاب وموافقته للشرع ستر القدمين فضلاً عما قرب منهما من الرجلين، فلا تتهاوني عزيزتي في سترهما، ولأنك في سفر الزيارة حيث يتعرض جوربك الى التمزق أو الاتساخ فمن الأفضل أن تحملي معك جورباً آخر أو أكثر على سبيل الاحتياط .. وللجورب الذي يكون ساتراً شرعاً مواصفات هي:
1. ألا يكون شفافاً .
2. ألا يكون من الزينة .
3. ألا يكون مثيراً .
فإن لم تتوفر هذه الشروط مجتمعة في الحجاب فاعلمي أختاه المؤمنة أن الشرع لا يعد ذلك حجاباً شرعياً وهذا يعني ترتب الإثم على من ترتديه بمقدار ما أهملت من شروط أوجب الشرع توفرها فيه. وما أحزنه من موقف حين نغضب الله تعالى لأمرٍ بسيط تعجز أنفسنا عن الالتزام به... وما أقساه من موقف على قلب إمام زمانكِ عجل الله فرجه وهو يرى عجزنا عن التمسك بواجب تمسك به الموالون والمخالفون أيضاً فكيف يصدق دعاءنا بنصرته أو رغبتنا في الاستشهاد بين يديه؟؟!!
ثانياً: الحجاب السلوكي
معلومٌ لديكِ أختي المؤمنة إنما أمر الله (تعالى) أن يُحجب جسم المرأة عن الناظرين الأجانب لما فيه من مواضع فاتنة تجذب انتباههم، و تغريهم بإمعان النظر فيها، بل قد تُثير فيهم الطمع في الوصول إليها، لذا كان الحجاب المادي ــ الذي تقدَم ذكره ــ حصناً للمرأة من الأذى و حصناً لغيرها من الوقوع في الخطيئة ..
ولعلكِ توافقينني الرأي أختاه العزيزة أنّ سلوك المرأة هو الآخر قد يتضمن من المفاتن و المغريات ما يتضمن ... من قبيل المِشية المغرية، والضحكة الفاتنة، والجِلسة المثيرة، والخضوع بالقول وما شاكل ذلك. ولذا لم يقتصر الأمر الإلهي على وجوب الحجاب المادي فقط بل تعدّاه لوجوب الحجاب السلوكي أيضاً، فكان جزءً من الحجاب الشرعي للمرأة، وعليه أختي الموالية فلا يمكن أن تكون المرأة محجبة حجاباً شرعياً تاماً إن لم تلتزم بالحجاب السلوكي قال (تعالى):"فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) "(1). و قال أيضاً:"وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ(31) "(2).
وإذا كان الحجاب السلوكي واجباً في كل حين وعلى ايِّ حال، فإنه في المناسبات الدينية يتأكد وجوبه لاسيما في زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام) حيث السير على الأقدام لمسافات بعيدة والتي في الأعم الأغلب لا تخلو من المشقة والتعب والعناء، وهذه الأحوال قد تقود الإنسان أحياناً إلى التساهل في أداء الواجبات وعدم العناية بالإتيان بها كما أراد الشرع المقدس، ولما كانت المرأة تتميز برقتها وبضعف قوتها الجسمية قياساً بالرجل بشكل عام فعليها أن تأخذ هذه النقطة المهمة في نظر الاعتبار..
لذا أختي الغالية إن كنتِ ممن ينال منهم التعب سريعاً، وتتميزين بعدم القدرة على المشي لمسافات طويلة، فمن الأفضل لكِ غاليتي أن ترتبي أمر زيارتكِ بما يتوافق مع قدرتكِ وقابليتكِ، كأن تقسّمي المسافة بين منزلكِ وبين كربلاء مثلاً فتستقلي السيارة في قطع قسم منها وتمشين في قطع القسم الآخر بحسب ما يناسب قدرتكِ، واعلمي أن ذلك لا يقلل من أجركِ وثوابكِ إن شاء الله لأنكِ إنما تقومين بذلك حفاظاً على واجباتكِ كأداء الصلاة في وقتها فقد يأخذ منك التعب مأخذه فتقصري في هذا الواجب، كما لا أعتقد أنه سيضعف علاقتك بسيد الشهداء (عليه السلام)؛ لأنك حافظتِ بذلك على ستركِ فقد يحصل لكِ عارض لضعف قدرتك على المسيرــ لا سمح الله ــ فيجبر بعض إخوتكِ من الأجانب على حملكِ ونقلكِ إلى مركز المعالجة، بل سيُسَر بتفكيركِ هذا أبو الشهداء (سلام الله عليه) حتماً وهو أبو الغيرة بل ومنبعها، كما لا أظن أن قراركِ هذا سيوهن علاقتكِ بعقيلة الطالبيين (عليها السلام)؛ لأن العناء قد يؤثر فيكِ فتتكاسلين عن العناية بحجابكِ كما يجب، أو تتماهلين برعايته كما ينبغي، وهي (سلام الله عليها) أم الستر والخدر والعفاف والحجاب، بل ستكونين عندها ذات شأنٍ كريم..
ملاحظات حول الحجاب السلوكي في زيارة الأربعين... تأتي إن شاء الله...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأحزاب 32
(2) النور 31
رضا الله غايتي
اخترنا لكم
دور الإمام الصادق (عليه السلام) في ترسيخ العقيدة المهدوية ووظيفة الخطيبة في ترسيخ الفكر العقيدي في المجتمع (الحلقة الثالثة)
بقلم: دينا فؤاد المحور الثالث: دور الخطيبة في ترسيخ الفكر العقيدي في المجتمع الخطابة لغة: (الخطب: الشأن، والأمر صغر أو عظم، خطبة. وخطب الخاطب على المنبر خطابة، بالفتح، وخطبة، بالضم، وذلك الكلام: خطبة أيضًا، أو هي الكلام المنثور المسجع ونحوه). (14) وأما تعريف الخطابة في الاصطلاح فقد وردت فيه تعاريف عديدة ومن أقدمها تعريف أرسطو بأنها: (قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأمور المفردة). (15) ومما لاشك فيه أن للخطيبة دورًا مهمًا، لأنها تتولى دور الاصلاح والتوعية الدينية من خلال دورها الاعلامي الذي تمارسه والذي ينبغي أن يكون انطلاقًا من قول الامام الصادق (عليه السلام): "احيوا امرنا رحم الله من احيا امرنا". فالخطيبة تقدم للمجتمع -من خلال خطاباتها- الغذاء الروحي والوعي الكامل من خلال توضيح القضايا التشريعية والعقائدية والاجتماعية، وأيضًا تحدد المسار الذي يجب أن يلتزم به الفرد المسلم بوجه عام والفرد الشيعي المؤمن بوجه خاص؛ لأنها ستقوم بمهمة التحصين العقدي بواسطة تأصيل العقيدة في النفس وتربيتها بإزالة الأفكار الهادمة للنفس والآراء المضلِّة لها، وخاصة التي تبعده عن الطريق الصحيح، فالمجتمع الآن بحاجة إلى ترسيخ في العقيدة الصحيحة؛ لأن هناك الكثير من الصراعات الفكرية التي تحاول النيل من المجتمع بنشر الأفكار الضالة وخاصة في فئتي الشباب والنساء لإبعادهم رويدًا رويدًا عن الدين القيم. والخطابة تتكون من أسس مهمة وهي: المشافهة والجمهور والاقناع والاستمالة. (16) وهذه الأسس هي التي ستمهد النجاح للخطيبة إذا ما أحسنت تطبيقها. لقد أصبحت الخطيبة إحدى المصادر الأساسية التي تبني الشخصية الدينية من خلال توجيه الرأي العام نحو تشكيل الوعي الفكري والثقافي والسياسي، فهي بهذا تكون قد حافظت على الإسلام وبيضته. فهي تحاول حماية الإسلام من الأفكار التي تحاول نخر جسد الأمة الإسلامية باتخاذ مظاهر الحياة الحديثة. (17) وحفاظها على الإسلام وبيضته يكون ببث المفاهيم الإسلامية وتعاليمها للنساء وخاصة في ما يتعلق بعبادتهن ومعاملاتهن. وبذلك أصبحت هذه الخطيبة الشيعية وسيلة إعلامية لا يوجد لها نظير بالنسبة إلى غيرها من المذاهب الإسلامية الأخرى. وقد استمدت الخطيبة دورها الإعلامي من قدوتها السيدة زينب (عليها السلام) إذ كانت أول خطيبة وإعلامية عرفها التاريخ بتصريحها بالقضية الحسينية وبيان طريق الحق الذي هو طريق الإمام الحسين (عليه السلام) من خلال نهضته على الظالمين. والواقع أن دور الخطيبة ينطلق من إحيائها للدين وترسيخها للقيم العليا التي نص عليها الإسلام. وأهم القضايا التي تنصب على عاتق الخطيبة في دائرة التوجه الفكري العقدي هي قضية الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) والتأكيد عليها في كل محضر تحضره؛ لأن هذه القضية تحمل أهدافًا ورسالة وتحتاج إلى الوعي بها وإشعال العواطف تجاهها، وفوق كل ذلك تحتاج إلى تيقن الفرد بأنّ نجاته وصلاحه متوقف على صاحب هذه القضية. ومن هنا يأتي دور الخطيبة بتوجيه النساء إلى مسألة عقائدية كبيرة لدى الشيعة وهي التهيؤ والاستعداد لظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) والتعريف بقيامه المبارك والعلامات التي تسبق ظهوره الشريف وأعماله الإصلاحية التي يقوم بها سواء كانت دنيوية أم أخروية.(18) وهي بذلك تكون قد ساعدت على إحياء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) من خلال نشر علومهم والولاء لهم بالتذكير بحقهم وزيادة حبهم في قلوب الموالين لهم بإظهار مناقبهم وتضحياتهم من أجل الدين. وإنّ وظيفة الخطيبة لا تنحصر في المحاضرات الدينية والثقافية، بل تشمل الإصلاحات الاجتماعية والإنسانية من تقديم المساعدات لجميع طبقات المجتمع، ولا اقصد بالمساعدات المادية فقط، فهي غير محصورة بها، وإنما هناك العديد منها وبالذات تقديم المساعدة في الإصلاحات النفسية؛ إذ إن لها أثرًا كبيرًا على نفس الإنسان وتصحيح مساره بالشكل المطلوب. وأيضًا تحاول الخطيبة بذل كل ما في وسعها لحماية هذا المجتمع من الانزلاقات وراء الشبهات التي ينجر لها المجتمع دون وعي أو إدراك، فنحن نرى الكثير من أفراده ينقادون لكل ما يتم طرحه وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي من غير فرق بأن يكون ذلك بالمجال الفقهي أو العقائدي ويسلمون له بمجرد أنه صادر من شخصية أو موقع شيعي. وفي الحقيقة أن هذا يحتاج إلى التفاتة كبيرة من قبل الخطباء بضرورة الاطلاع على كل ما يتم طرحه والتحقيق فيه، وإذا ما تبين بطلانه يجب الإعلام، وهذه مسؤولية كبيرة تلقى على عاتق كل من يتصدى لأن يكون علمًا للمنبر من الخطباء. ونلاحظ أن واجب الخطيبة تجاه ذلك أكبر؛ لأن طبقة النساء تحتاج إلى جهد أكبر لأن أغلب النساء لا تراعي الاستعلام والتحقيق فيما يصل إليهن، فهن منكبّات على الأمور الملقاة على عاتقهن بدون أن يجعلن لأمور دينهن النصيب الأوفر. ومن هنا يأتي دور الخطيبة في أن تتعامل بحذق في هكذا أمور، وأن تعالجها بالكثير من الحكمة والصبر، وإرشادهن إلى الطريق الصحيح بلا أن يكون هناك سأم ولا ملل، بل يجب عليها استعمال أسلوب الجذب والترغيب، وطرح هذه القضايا بصورة مفصلة وفي نفس الوقت بأسلوب سلس، وكسب هذه النساء وجرهن إلى الطريق السليم بدون أن يكون هناك أي نزاع أو تعصب. ومن المسائل التي يجب على الخطيبة بيانها للنساء: مسألة الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، فهناك الكثير من المسائل التي نالت من المسلمين ولكن بسبب العزم الكبير من قبل الخطباء الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) المحافظين على تلك المدرسة العظيمة لم يتمكن أحد من المساس بالعقيدة المهدوية لدى الشيعة وأن كان ما طرح حولها كثيرًا. فقد صدر عن مركز الاستخبارات كتاب للأمريكي مونيكال براينز قد ذكر فيه: (إن الشيعة لازالوا يحتفظون بفاعلية وحركية تقاوم المخططات الغربية دون بقية المسلمين، وأنّ نداءات يا حسين ويا أبا الفضل العباس قد ألهبت الشارع الجماهيري الشيعي، والشيعة تمثل القطاع الحي والنابض في العالم الإسلامي، وهم أتباع أهل البيت وأتباع سيد الشهداء (عليه السلام) ومن ثم فإنه يقرر أن عنصر قوة الشيعة يتمركز في عزاء الإمام الحسين والارتباط بالإمام الحسين وهو الذي يبعثهم على استرخاص النفس ورفض منطق العدوان والظلم). (19) ولا ننسى أن الطريق الذي سلكه الإمام الحسين (عليه السلام) مع ما فيه من إصلاحات هو طريق ممهد ومعلن في ذات الوقت لطريق الإمام المهدي (عجل الله فرجه) ومسيرته واصلاحاته، فيجب على الخطيبة تسليط الضوء على هذه العلاقة وربط كل الوجود بالظهور المهدوي، وتهيئة الموالين لذلك الظهور المبارك وتعميق الاتصال والشعور بين الموالين والإمام المنتظر؛ إذ على يده فرجهم وخلاصهم. وتهيئة الخطيبة للموالين يكون من خلال حثهم على الدعاء له بالفرج، وتمسكهم بالآداب الخاصة بغيبته الشريفة وإحساسهم بأن الإمام وإن كان غائبًا ولكنه حي وموجود بيننا وهو بحاجة إلينا لكي ندعو له لا فقط بحناجرنا وإنما بقلوبنا، فكيف نتعامل لو غاب عنا من هو عزيز علينا أو سجن ألا نكثر له الدعاء، ألا نفتقده ونفكر فيه طوال الوقت، هكذا يجب أن يكون الحال مع الإمام (عليه السلام)، وذلك من معطيات الاعتقاد بالإمام الحي والتي تمنح المذهب غناء وحيوية وهي غير خافية على من له تأمل وبصيرة. (20) وإذا ما فعلت الخطيبة ذلك ستكون قد رسخت الفكر العقدي في المجتمع للعقيدة المهدوية، وتكون مكملة لرسالة الإصلاح التي بدأها الرسول (صلى الله عليه وآله) ومن بعده الأئمة الأطهار (عليهم السلام) وسالكة لطريقهم الذي هو طريق الله سبحانه. توصيات مهمة للخطيبة هناك عدة توصيات مهمة يجب أن تتصف بها الخطيبة من أجل الرقي بعملها، وهي التي ستمهد لها الطريق في نجاح عملها كخطيبة، ومنها: 1- الولاء لله سبحانه من خلال الانقياد والتسليم التام لا في مجال دورها كخطيبة فقط وإنما في جميع المجالات، يقول سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}. (21) 2- حسن الخلق وضبط العواطف، وهذه من الصفات المهمة التي يجب أن تتصف بها الخطيبة، فإذا لم تستطع ضبط عواطفه فإنها لن تستطيع إكمال طريقها كخطيبة. 3- أن تتحرر من الأنا، وذلك من خلال الانطلاق في رحلة مسيرها إلى الله سبحانه وترك الاهواء والشهوات التي ترتبط بالذات الإنسانية، وهي وإن كانت رحلة صعبة ولكن عندما يخلص الفرد حبه لله فإن الأهواء الشيطانية سوف تتحلل وتندثر. 4- أن تكون الخطيبة حاكية عن الوحي، فكثيرا ما يقع الإنسان في الخطأ بطبيعته، ولكي تتخلص الخطيبة من الخطأ عليها ان تتمسك بكلام الوحي المنزل على نبينا (صلى الله عليه وآله) فهو الحق القويم، وبه يأمن الشخص من الوقوع في الخطأ والانحراف، يقول سبحانه:{الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}. (22) 5- الصبر على مشكلات العمل، وهذا أمر واقعي يجب أن تتحلى به الخطيبة لنجاح عملها، وبدون الصبر ستكون النتيجة هي الفشل. يقول الله: (ولنجزين الذين صبروا أجورهم بأحسن ما كانوا يعملون). (23) 7- الابتعاد عن مواطن التهمة، وذلك بعدم الثناء على شخص معين أو حزب خاص ودعم الترويج لأي إنسان، والثناء والترويج يكون لله سبحانه ولرسوله ولأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين). 8- إتباع أسلوب إيقاظ الوجدان لكل من تداخل النسيان أو الشك أو الغفلة في إضمار وجدانه، فالإنسان ذو فطرة سليمة يميل إلى الحق وينفر من الباطل، وكما قال تعالى: {فذكر أن نفعت الذكرى}. (24) 9- المرونة في التعامل، وهي إحدى الوسائل التي تعطي ايجابيات كثيرة للخطيبة تصل بواسطتها إلى قلب المتلقي من خلال الإدراك السريع لكلامها بسبب المرونة في تعاملها. 10- اتخاذ الخطيبة أسلوب الترغيب والترهيب، فالمجتمع منقسم إلى أقسام، فالبعض يأتي بالترغيب والبعض يأتي بالترهيب. الخاتمة: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبي الرحمة وشفيع الأمة محمد وآله الطيبين الطاهرين. بعد إتمام البحث والاطلاع على الكثير من الكتب في مجال الإمام الصادق (عليه السلام) والعقيدة المهدوية، توصلت من خلال إدراكي البسيط إلى حجم الغل والعداء المستبطن لدى الكثير من الذين يحاولون إثارة الشبهات حول العقيدة المهدوية لأجل التعريض بالإسلام والمسلمين وخاصة الشيعة، وذلك ظاهر علنا في المؤلفات التي يتم نشرها من قبلهم وبخاصة من المنظمات الاجنبية، والتي تهدف إلى الإساءة وبشتى الطرق وبكافة المجالات إلى الرسول الأعظم وأهل البيت (عليهم السلام)، في محاولة للنيل منهم وبالتالي النيل من الدين الإسلامي بتأكيد القصور فيه لخلوه من الحجة كما يزعمون، وكيف كان الدور الكبير للإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في الدفاع عن الإسلام وعقائده وبالذات العقيدة المهدوية. ومن خلال هذا البحث تعرضنا إلى الشبهات التي أثارها الإمام الصادق (عليه السلام) لعلمه بأن هناك من سيطرحها مستقبلًا ورده عليها، وإن كان تعرضنا للشبهات والرد عليها كان بصورة مقتضبة لضيق مساحة البحث المسموح بها، وأيضًا الأثر الكبير الذي يأتي من دور الخطيبة في ترسيخ وتأصيل العقيدة المهدوية. والحمد لله رب العالمين. ____________________________ 14ـ ينظر، الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ج1، باب الباء، فصل الخاء. 15ـ ارسطو، طاليس، الخطابة، ص9. 16ـ ينظر، الحوفي، أحمد محمد، فن الخطابة، ص5. 17ـ ينظر، فرأت بعد الحسين كاظم، العزاء الحسيني من خلال وثيقة أمن السلطة في العراق 1974، ص12. 18ـ ينظر، محمد رضا محمد علي، ظهور الإمام المهدي يوم العاشر من محرم، ص2. 19ـ السند، محمد، الشعائر الحسينية فقه وغايات، ج2، ص115. 20ـ ينظر، القمي، عباس، تاريخ الإمام صاحب الأمر والزمان، ص6. 21ـ سورة النحل، الآية:59. 22ـ سورة البقرة، الآية:1-2. 23ـ سورة النحل، الآية: 96. 24ـ سورة الأعلى، الآية: 9.
اخرى
رسالاتٌ في زمن الوباء (٣) حِميةٌ غذائية
بقلم: علوية الحسيني لاشك أنّ الغذاء المنظم يشكّل هالة تحافظ على الجسم من الضعف وطرو الأمراض, والعدوى بالفيروسات. البعض من الناس لعلّه ملتفت إلى تطبيق هذه الحمية الغذائية, والبعض الآخر لا يهمه حتى معرفة فوائد أصناف الطعام, لذا يكون عرضًة للإصابة بالانتكاسة الصحية أسرع من غيره. في زمن الوباء العالمي (كوفيد 19) أكّدت منظمة الصحة العالمية على ضرورة اتخاذ حمية غذائية؛ لتكون مناعة الجسم مرتفعة النسبة, حتى لا يهيمن الفيروس على جسد المصاب, تاركةً أمر معرفة القواعد الصحية لتناول الغذاء إلى أهل الاختصاص، فينبغي عقلًا مراعاتها؛ دفعًا للضرر المتحقق من الإصابة بالفيروس, أو المحتمل تحققه, والاحتياط طريق عقلي سليم. ولا بد من الإشارة إلى أنّنا حينما نتكلم عن الحمية الغذائية فهذا لا يعني الدعوة إلى الإفراط في تناول الغذاء, بل التنظيم, وانتقاء الأطعمة المفيدة, وعلى قدر الحاجة لسد الرمق, وإلّا لكان الإفراط سببًا في العديد من الأمراض والبكتريا, "فازدراد كمية كبيرة من الطعام تعرض الإنسان للإصابة ببعض الجراثيم؛ كضمات الكوليرا، وعصيات الحمى التيفية، والأطوار الاغتذائية للأميبا وذلك لعدم تعرض كامل الطعام لحموضة المعدة وللهضم المبدئي في المعدة حيث إنّ حموضة المعدة هي المسؤولة عادة عن القضاء على مثل هذه الجراثيم" (1). حينما نتأمل في آيات القرآن الكريم نجد أنّ الله (سبحانه وتعالى) أشار إلى أنواعٍ من الأطعمة والأشربة؛ إشارةً منه إلى كثرة فائدتها, وحتمًا أنّ لها دوراً في تقوية المناعة مما تحصن الجسم من الأمراض عمومًا, ومن الفيروس العالمي خصوصًا (كوفيد 19) لأنّها تفيد عنوانًا عامًا, وهو المناعة الصحية. ■أولاً: قواعد قرآنية لغذاءٍ صحي: نحن نعتقد أنّ الله (سبحانه وتعالى) حكيم, لا يقول عبثًا, وبالتالي ما جاء في القرآن الكريم من دقةٍ في وصف الغذاء, وتفضيل بعضه على بعض بالأصناف, حتمًا له غاية تعود نفعًا على الإنسان نفسه, ومن تلك القواعد: 1- قاعدة تقديم أكل الفواكه قبل اللحوم: إنّ المتأمل في الآيات الكريمة التي أشارت إلى أكل الفواكه واللحم, يجد أنّها جعلت أكل الفواكه قبل اللحوم؛ بدليل قول الله (سبحانه وتعالى): {وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُون} (2). فأشار بعض علماء التفسير إلى "أنّ تقديم الفاكهة على اللحم نتيجة أفضليتها عليه"(3). كما ويقول (سبحانه وتعالى): {وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُون} (4). خبراء علم التغذية, واستنادًا على اختصاصهم اكتشفوا الحكمة الطبية من هذه القاعدة القرآنية, فقالوا: "إنّ الفاكهة تعد المصدر الأساسي للجسم, وتحتوي على سكريات بسيطة ويسهل على الجسم امتصاصها, وهضمها، فلو تم أكلها قبل اللحوم لقضت على الجوع, بينما لو بدأ الإنسان بأكل اللحم أوّلًا فسوف يحتاج جسمه إلى ثلاث ساعات حتى تكتمل عملية الامتصاص, مما يسبب له الجوع مبكرًا, فيختل التوازن الغذائي" (5). وقال أطباء مختصون: بأنّهم طبقوا هذا النظام على مرضى, فوجدوا أنّ المرض ترك مكانه للشفاء, لأنّ مقياس درجة الحموضة والقلوية عندهم توازن (PH=7) أمّا إذا أكلوا اللحم قبل الفواكه لزاد عن (7), وهذا الذي يسبب أمراضًا تقلل من مناعة الجسم. وبالتالي، ينبغي على الإنسان أن يكون أكثر التزامًا بقواعد القرآن الكريم, باتباع حمية غذائية وفقه. 2- قاعدة الأكل قبل الشرب: قاعدة أخرى ممكن أن نتبعها كحمية غذائية لصحة الجسم, وهي قاعدة (الأكل قبل الشرب) التي أشار إليها الله (سبحانه وتعالى) في القرآن الكريم بقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَض} (6). وفي آية أخرى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّه} (7). وآية أخرى كذلك: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} (8). وبدوًا وإن كانت الحكمة في هذا التقديم خفية علينا، إلّا أنّه يكفي لصدورها عن حكيم كالله (سبحانه وتعالى), للالتزام بها. ■ثانيًا: قواعد روائية لغذاءٍ صحي: الحمية الغذائية المقوية للمناعة الصحية أشار إليها أهل البيت (عليهم السلام), فبيّنوا طرقًا صحيحة لتناول الطعام؛ حتى يكتسب الجسم مناعةً وقوّة, فمثلًا من تلك القواعد: 1- قاعدة تقديم الطعام على الشراب: روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "إذا دخل عليك أخوك فأعرض عليه الطعام، فإن لم يأكل فاعرض عليه الماء، فإن لم يشرب، فأعرض عليه الوضوء" (9). فلعل الحكمة من ذلك هي حتى لا يضعف البدن ويختل بامتلائه بالماء إذا سبق الطعام فلا يأخذ وقايته التامة من الغذاء. 2- قاعدة اتخاذ الطعام الأجود: روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "اعمل طعامًا، وتنوّق فيه" (10) والتنوّق لغةً هو المبالغة في التجويد, وما إشارة الإمام إلى الحفاظ على جودة الطعام إلّا لأجل الحفاظ على صحة الجسم. والخلاصة: رغم قصور المعلومات المتقدمة, إلّا أنّ العاقل من اتبع حمية غذائية صحيحة, لتكون له وقاية من الأمراض والفيروسات كما أوصى الله (سبحانه وتعالى) وأولياؤه (عليهم السلام). ____________________ (1) مع الطب في القرآن الكريم: لعبد الحميد دياب وأحمد قرقوز, ص130. (2)الطور: 22. (3) ظ: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزّل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج17, ص172. (4) سورة الواقعة: 20-21. (5) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم: للدكتور عبد الدائم الكحيل, موقع الكحيل. (6) سورة البقرة: 187. (7)سورة البقرة: 60. (8) سورة الأعراف: 31. (9) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ح24, باب استحباب عرض الطعام ، ثم الشراب ، ثم الوضوء على المؤمن إذا قدم, ح2. (10) المصدر نفسه, باب استحباب اتخاذ الطعام ، وإجادته, ح1. والحمد لله الذي هنأنا بطيبات رزقه, ونشّطنا فيها لابتغاء مرضاته وعافيته.
القضايا الاجتماعية
خواطرُ إيمانيةٌ
بقلم: زينب الزيني عقِّم بدنكَ بذكر الله تعالى والتوكل عليه، وخلِّصه من الشوائب المتعلقة بهِ.. عجبتُ من أناسٍ تغسل يديها ووجهها بالمُعقمات عدةَ مراتٍ، ولا تغسل قلبها ولو مرةً واحدةً في اليوم، أو في الأسبوع، أو في السنة! *عندما تضع الكمامات على أنفك لتمنع عنك الفيروسات، احمِ نفسك، وضع كمامةَ النجاة لتحميك من فيروس الحرام: من الغيبة، والسبِّ، والشتمِ، والحقدِ، والحسدِ، وحبِّ الأنانيةِ والتملك والرياء، والنظر بشهوةٍ، وغيرها من الأمور المُحرَّمة، سواء كنت رجلًا أم امرأة. *عندما تتناول الأطعمة التي تُحفِزك على تقويةِ جهاز المناعة من الأمراض، قوِّ مناعتك وحفِّزها بالتقرب إلى الله تعالى؛ فهو خالق الفيروس وهو مُسبِّب الأسباب. وقوِّ أيضًا مناعتك بالصلاة والذكر والاستغفار والأعمال التي ترضيه ليبتعد عنك كلُّ بلاءٍ ووباء. *عندما تبتعد عن الناس المصابين بالفيروس، ابتعد أيضًا عن رفاقِ السوء؛ فهم أيضًا وباءٌ خطير يُصيبك بالعدوى. *عندما تلجأ إلى الحظر الصحي في بيتك، الجأْ إلى الله تعالى وتقرَّب إليه أكثر فأكثر، وصِل رحمك بالسؤال عن أمك، أختك، إخوانك، أقربائك، ولو عبر الهاتف، فلربما تزرع الأمل فيهم بكلمةٍ طيبة. *عندما يسأل أحدهم: لماذا أُغلِقت المساجد والأماكن المُقدسة وأضرحة أهل البيت (عليهم السلام) وبيت الله الحرام، والبعض يسخر من إغلاقها لماذا تُغلق؟ ألم تحمِكم من الوباء؟ ألم ينجيكم المعصوم من الوباء والبلاء لتقومون بتعقيم الاضرحة وبيوت الله تعالى؟ وهي بيوت الله الآمنة والطاهرة، ولا يسأل نفسه: لِمَ شاءت حكمة الله (تعالى) أن تكون خالية؟ ولا يسأل الجميع ما العمل الذي ارتكبناه فغضبت منا هذه البيوت الطاهرة؟ لتقولَ لنا: عقِّموا أنفسكم الروحية وليس فقط الجسدية، وتعلّموا منا كيف كنا نتعامل مع الناس بالحُسنى وحتى مع أعدائنا، عاشروا الناس بالحسنى، تسامحوا، صافحوا، اعفوا، ساعدوا، افعلوا الخير للجميع، ارحموا الفقير، اعدلوا بين الناس. *عندما تأتي إلى الله تعالى، وتُقّر بالذنوب وتطلب الشفاء، اغسلْ قلبك، نظفْه من أدران الخبث والغيبة والقطيعة، وكلّ عملٍ تعمله يُسئ لكتابه المجيد. *عندما تأتي إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، تذكّر أنه خرج لأجل مَنْ؟ وقُتِلَ لأجل منْ؟ قُتِل حفاظًا على دين جده (صلى الله عليه وآله). لا يريد الإمام علي والحسين والعباس وسائر الأئمة المعصومين (سلام الله عليهم جميعًا) أنْ نزورهم يوميًا أو نتباهى أمام الناس بأننا موالون لهم وخادمون لهم ولأهل بيتهم رياءً، بل نتعلم منهم ونطبق قولًا وفعلًا؛ فهم مدرسة ُالإصلاح، فاصلحْ نفسك، غيّرها للأفضل، ثم اصلحْ وساعدْ الناس والمحتاج، لا تساعد فقط نفسك وأهلك، بل تفقدْ ما يمكنك تفقده من الناس جميعًا، واعملْ بما يُرضي الله تعالى. *"كلكم راع ٍوكلكم مسؤولٍ عن رعيته" هذا يكفي، فطبقه أينما كان مكانك، فأهل البيت (عليهم السلام) ليسوا فقط أسماء نحبها، أو شخصيات تعلقنا بها، ونكتب عنها، ونتحدث عنها، لا.. ماذا تعلمنا منهم؟ صفاتهم مع القريبين والبعيدين، مع الجميع، علمهم، تطبيقهم لأحكام الله تعالى، هذا ما يُمكن فعله، نقتدي بصفاتهم قولًا وفعلًا. *"ما اكثر الضجيج وأقل الحجيج!" عندما تزور بيت الله (تعالى) هل فعلًا أنت أقررت بذنوبك أمام الله تعالى ؟هل عاهدت الله تعالى أنه عندما أرجع لبيتي أنْ لا أكرر ذنوبي وأعمالي التي لا ترضيه؟ *تريد أنْ تحمي نفسك وأهلك من الفيروسات، اعملْ بما يرضى الله تعالى، صححْ مسار حياتك مع الجميع، واعملْ بكتاب الله تعالى، وطبق سنة نبينا المصطفى (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام). ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة. فلو طبقنا كل هذا فلربما لم تكن أصابتِ الفيروسات كلّ العالم، ولما أُغلقت بيوت الله تعالى عن الجميع.. فهذا إنذارٌ من الله تعالى لنا جميعًا، هل من متعظ ؟ هل من تائب ؟ هل... شغلتنا الدنيا عن الله تعالى والأهل والأحبة، لربما البعض منا صحح أخطاءه، ولكن البعض الآخر باقٍ في سكون لا يتحرك باتجاه تكامله المعنوي، هو فقط مهتمٌ بالجانب المادي، فيعقم اليدين ويبتعد عن كلِّ ما قد يسبب له الأذى، ويطبق اللوائح الصحية فقط! فكيف ينجو من كان مبتعدًا عن الله (تعالى) وهو على يقين أنَّ النجاة بيده؟! فلرُبّما تكون النهاية.. فهل إلى مردٍ من سبيل؟ قال (تعالى): "لا يغير الله بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم"، فغيروا أنفسكم ليغير الله حالكم إلى أحسن حال..
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى